» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

العنف ضد المرأة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

المرأة هذا المخلوق الضعيف في تركيبته الخلقية ،القوي في شخصيته ، المظلومة من قبل مجتمع جائر ، صنفها من بين السلع التي تروجها شتى أنواع الدعايات على أنها مخلوق خلق لإثارة الشهوة، ليست كمعشر الرجال أساس في بناء المجتمع ، فالمرأة في نظر البعض ما هي إلا مخلوق يشفي غرائزه ، ومن هذه الغرائز الجائرة غريزة الضرب ، والشتم ، والقهر ، والإذلال ، فبعض الرجال يستلذ بضرب زوجته ، أو أي امرأة تقع عليها عيناه ، فذلك يشفي غليله ، ويروي ظمأه الشغوف في إذلال المرأة ، فيرى في ضعفها وقهرها رجولته الكاذبة ، يحسب أن الرجولة في الضرب وإذلال الغير ، غير عالم أن الرجولة تكمن في شخصية الرجل من حيث القول أو الفعل ، فالرجولة في القول ككلمة حق أمام ظالم جائر ، وفي الفعل أخذ موقف في حالة الشدة التي يصعب على الإنسان أخذ موقف عندها ، أو تحمل أذى الغير ،أو الوقوف أمام مظلوم في أخذ حقه ، فالرجولة ليست بقهر الآخرين ، ولا بممارسة العنف ضد الغير ، هذا الرجل الشهواني الذي لا يشبع غريزته الشهوانية إلا بممارسة شتى أنواع العنف ضد زوجته ما هو إلا كالبهائم التي ليس لها من الحياة غير الأكل والشرب والشهوة ، فهذا الصنف من البشر تعتريه عقد نفسية مركبة ، لا يشفيها إلا العودة و الاستيقاظ من الوهم الذي يعيشه ، وهم الرجولية الزائفة ، التي تسيطر على تصرفاته ، وتأخذ به نحو الانحطاط الخُلقي ، الذي يؤدي به إلى أسفل مراتب الإنسانية التي كانت سائدة في العصر الجاهلي الذي كان يعتبر المرأة كأي متاع في البيت ، يقامر بها عند الحاجة ، أو يبيعها عند العوز ، أو يعيرها لذي شأن لتستولد منه .

أتى الإسلام فرفع من شأن المرأة ، وجعلها في مصاف الرجال في الثواب والعقاب ،فمساواة المرأة بالرجل في الثواب نجده في قول الله سبحانه و تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } وقوله أيضا {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويُطيعون الله ورسولَه أولئك سيرحَمُهُم الله إن الله عزيز حكيم} ، وفي مساواتها مع الرجل في العقاب قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم } المائدة 38 . وقوله تعالى { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } النور 2 . وفي حرية القول والفعل روى ابن عباس رضي الله عنهما "أن فتاة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله إن أبي زوجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة ، فقال لها : أجيزي ما صنع أبوك ، فقالت : لا رغبة لي فيما صنع أبي ، قال : فاذهبي فانكحي من شئت ، فقالت : لا رغبة لي عما صنع أبي يا رسول الله ولكني أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من أمور بناتهم من شيء " وفي صحيح البخاري : "عن خنساء بنت خِذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحَه " .

وكذلك رفع الإسلام من شأن المرأة عندما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بهن خيرا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا " أخرجه البخاري . قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى : " كأن فيه رمزا إلى التقويم برفق ، بحيث لا يبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمر على عوجه " ، وقال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع : " فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ، قال الإمام النووي رشي الله تعالى عنه في هذا الحديث : " فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ، ومعاشرتهن بالمعروف ، وقد جاءت أحاديث صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك " ، كما نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن التعرض للمرأة بالضرب كالجلد أو الضرب على الوجه أو التحقير أو غير ذلك مما يهين المرأة ، ويذلها ، ويحقر من شأنها ، أخرج البخاري عن عبد الله بن زَمعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يجلد أحدُكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم ". قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك ، وأنه إن كان لا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل منه النفور التام ، فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب ، عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه، قال : قلت : يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طعِمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت" .أخرجه أبو داود وقال : " ولا تقبح أن تقول قبحك الله " . وفي رواية أخرى عن معاوية القشيري أيضا قال : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فقلت م ما تقول في نسائنا : قال: أطعموهن مما تأكلون ، واكسوهن مما تكتسون ، ولا تضربوهن ، ولا تقبحوهن " . قال الصنعاني في سبل السلام في قوله عليه الصلاة والسلام " لا تقبح " :" أي لا تسمعها ما تكره ، وتقول قبحك الله ونحوه من الكلام الجافي " ، ولا يفهم من هذا الحديث كما يفهم بعض الجهلة ، أو قليلي العلم بأمور الدين من جواز ضرب المرأة مطلقا، وبأي طريقة شاءوا مستندين أيضا لقول الله سبحانه وتعالى : { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } النساء 34 . قال الخليل : " الوعظ : التذكير بالخير فيما يرق له القلب " ، و جاء في تفسير القرطبي : " والضرب في هذه الآية هو الضرب المؤدب غير المبرح ، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة " ، وقال عطاء : قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح ؟ قال بالسواك ونحوه، وقال النووي رحمه الله تعالى : " أما الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق ومعناه اضربوهن ضربا ليس بشديد ولا شاق " والضرب هو آخر الدواء للمرأة الناشز أي الخارجة عن طاعة زوجها ، فالله سبحانه وتعالى أمر بادئ الأمر بالوعظ بالكلام اللين والتذكير بحق الرجل على امرأته ، مستدلا بذلك بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة ، فإن لم تطعه انتقل إلى الدواء الثاني وهو الهجر في المضاجع ، فإن لم يستقم حالها ولم ترتدع عن العصيان ، والتذمر ، وعدم الإصغاء للأوامر الله سبحانه وتعالى في إطاعة الزوجة لزوجها كان الدواء الثالث وهو الضرب ، قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : " قال جماعة من أهل العلم : الآية على الترتيب ، فالوعظ عند الخوف من النشوز ، والهجر عند ظهور النشوز ، والضرب عند تكرره ، واللجاج فيه ، ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز ، قال القاضي أبو يعلى : وعلى هذا مذهب أحمد ، وقال الشافعي : يجوز ضربها في ابتداء النشوز . والضرب هنا كما ذكرت سالفا من أقوال العلماء هو الضرب غير المبرح ، ولكن البعض يفهم من هذه الآية جواز الضرب على إطلاقه ، فيبتدئ به من دون التدرج في التأديب كما نصت عليه الآية الكريمة ، ومخالفا في ذلك أيضا بطريقة الضرب ، فيضرب زوجته ضربا مبرحا ، متجاوزا الحدود الشرعية التي أعطاها له الشرع في ضرب زوجته ، فالمقصود بجواز الضرب هو مجرد الإيلام البسيط الذي ترتدع معه الزوجة عن النشوز والعصيان ، كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنه بالضرب بالسواك ، ونحو ذلك ، والضرب بالسواك كما هو معلوم ليس كالضرب بالعصا أو بآلة حادة ، أو بشيء ثقيل ، يمكن أن تتأذى منه الزوجة إيذاء شديدا يستحيل معه دوام العيش مع زوجها ويبتدأ معه خراب البيت الذي على الزوج أولا أن يحصنه ، ويحرص على بقائه ، لا أن يساهم في تدميره ، من أجل شهوة حيوانية ، يظن معها أنه يحمي رجولته ، ويقوي هيبته أمام عائلته ، فالضرب المؤذي منهي عنه شرعا ،فالضرب الذي أمر به الشرع هو الضرب المؤدب الذي تعود معه المرأة طائعة لزوجها ضمن حدود الشرع ، ولا يجوز له أن يضربها ولو ضربا غير مبرح إذا عصته في أمر فيه مخالفة للشرع ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فإن أجبرها على محرم أن في ارتكاب معصية وخالفته في ذلك لا تعد ناشزا ولا يحق له ضربها ولا حتى هجرها ، ونقفل ابن جحر في الفتح : " ولأن ضرب المرأة إنما أبيح من أجل عصيانها زوجها فيما يجب من حقه عليها " ، وقال رحمه الله تعالى : " وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقا " .

وكذلك من أساليب العنف ضد المرأة كشف سرها فيما يحصل معها عند المعاشرة الزوجية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أشرِ الناس يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها " . أخرجه مسلم في صحيحه ، قال النووي رحمه الله تعالى : " وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل مل يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك ، وما يجري من المرأة من قول أو فعل ونحوه " . ففي ذلك أذية لها ، وحط من قدرها ، خاصة إذا علمت ذلك ، وكذلك لا يحل لها أن تفعل هذا الأمر بزوجها .

وخلاصة القول في هذا الموضوع ، أن العنف ضد المرأة لا يكون فقط بالضرب، أو الشتم والسباب ، والتنابز بالألقاب ، ولكن في رأي يكون في أمور كثيرة سواء كانت المرأة زوجة أو أما ، أو بنتا ، أو أختا ، أو غير ذلك من النساء ، وعلى ذلك يكون العنف في الأمور التالية :

1- الضرب المبرح والمؤذي .

2- التقبيح والتحقير في الكلام .

3- الحط من كرامتها .

4- استغلالها و جعلها بضاعة للدعاية والترويج .

5- التعامل معها على أنها شيء من أثاث البيت ناقصة عنه .

6- عدم الإنفاق عليها كما أمر الشرع من مأكل وملبس ومسكن شرعي .

7- حرمانها من إبداء الرأي .

8- حرمانها من التعليم .

وهناك أمور من العنف خاصة بالزوجات ، وهي :

1- الهجر في المضجع وفي الكلام بغير مسوغ شرعي .

2- حرمانها من زيارة أهلها ومحارمها .

3- حبسها في المنزل .

4- إفشاء ما أفضت إليه .

وكذلك كما أنه لا يجوز العنف ضد الزوجة كذلك لا يجوز العنف ضد الآباء والأولاد والاخوة وغيرهم ، فالعنف منهي عنه شرعا ، قال الله تعالى في حق الوالدين : { ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا معروفا } فقال الله تعالى { أف } وهي أقل طرق الأذى ليدل على النهي عن الإيذاء الشديد وما هو دونه ، فإن كان لا يجوز الإيذاء بكلمة أف فمن باب أولى أن ما فوق ذلك لا يجوز كالضرب والحبس ، والمنع من الطعام والشراب ، والطبابة ، أو وضعهما في مصح مع قدرته على خدمتهما في منزلهما أو منزله .

وأخيرا أختم كلامي هذا بقول الله سبحانه وتعالى : { وعاشروهن بالمعروف } النساء 19 . وقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " واستوصوا بالنساء خيرا " . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

القاضي الشيخ محمد أحمد عساف
 
إن الأفكار والآراء الواردة في المقال لا تعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبها
» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com