» الصفحة الرئيسية
  » رئيس المحاكم الشرعية
  » المحاكم الشرعية
  » دليل المراجعين
  » مقالات القضاة الشرعيين
  » إتصل بنا

يمحق الله الربا ويربي الصدقات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
 
قال الله سبحانه وتعالى { يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم }

تتحدث هذه الآية الكريمة عن ذم الربا ومدح الصدقات ، حيث إن الربا من المعاملات الضارة في المجتمع ، من حيث إنه قد يهدم أسرا بكاملها ، فقد يستدين إنسان ما بربا فاحش ، وهو الربا المضاعف ، كلما زاد الأجل ولم يدفع ما عليه من الدين زاد عليه المبلغ المتفق على زيادته عند التخلف عن استحقاق الوفاء به ، وهكذا حتى يصبح المال الربوي يفوق أصل المال المستدان، وربما يصل إلى أضعاف كثيرة ، وهكذا قد يضطر المدين إلى بيع كل ما يملكه حتى المسكن الذي يؤويه مع زوجه وأولاده ، لوفاء ما عليه من دين ، ومع ما يترتب على عدم الدفع عند حلول الأجل من ربا مضاعف ، وأصبح في مهب الريح ، كالريشة التي لا تطأ أرضا ولا تعلو سماء ، تتقاذفها الرياح كيف تشاء ، فتارة يمد يده للناس فهذا يعطيه وهذا يمنع عنه ، وهذا يشفق عليه وهذا ينهره ، وتارة يبيت في أرض الله الواسعة يفترش الأرض ويلتحف السماء ، وتارة يتسكع في الطرقات كالمجنون لا يدري ما يفعل ، فلم يبق اقتراضه بالربا له عقلا أو بعضا منه ، ولربما وصل به الأمر إلى قتل نفسه وهو لا يشعر ، أو قتل المرابي الذي أوصله إلى هذه الحالة من اليأس والدمار ، فحكم على نفسه بالشقاء ، لذلك ذم الله سبحانه وتعالى الربا وحذر منه، وأمر بالابتعاد عنه ، فقال تعالى : { يمحق الله الربا} فالمحق هو النقصان ، ومحقه نقصه ، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة : " وكل شيء نقص وصف بهذا " ، وقال الجوهري في الصحاح : " محق محَقه يَمحَقُه مَحقا ، أي أبطله ومحاه " ،وفي لسان العرب : " المحق النقصان وذهاب البركة ، وشيء ماحق ذاهب ". وقال القرطبي : " والمحق : النقص والذهاب ، ومنه مُحَاق القمر وهو انتقاصه " .

والربا هو الزيادة والنماء قال ابن فارس : " الراء والباء والمعتل وكذلك المهموز منه ، يدل على اصل واحد ، وهو الزيادة والنماء والعلو ، تقول من ذلك : ربا الشيء يربو إذا زاد ، وربا الرابية يربوها إذا علاها ، وقال الجوهري : " ربا الشيء يَربو رَبوا أي زاد ، والرابية الرَبو وهو ما ارتفع من الأرض " .

فالمحق كما علمنا هو النقصان وذهاب البركة ، قال القرطبي رحمه الله : " { يمحق الله الربا } يعني في الدنيا أي يذهب بركته ، وإن كان كثيرا " ، وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : " { يمحق الله الربا } فيه قولان :

أحدهما : أن معنى محقه : تنقيصه واضمحلاله ، ومنه : محاق الشهر لنقصان الهلال فيه . َروى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جُبير .

والثاني : أنه إبطال ما يكون منه من صدقة ونحوها ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

وقال الزمخشري رحمه الله تعالى : " يذهب ببركته ، ويهلك المال الذي يدخل فيه " ، ونقل عبارته هذه الألوسي في روح المعاني .

وقال الطاهر بن عاشور : " أنه يتلف ما حصل منه في الدنيا" ، روي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل " ، وقيل : { يمحق الله الربا} يعني في الآخرة ، وعن ابن عباس في قوله تعالى : { يمحق الله الربا } قال : " لا يقبل منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة " . وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال : سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق ، ولعل هذا خرج مخرج الغالب .

وقوله تعالى { ويربي الصدقات } قال ابن جبير يضاعفها، وقال الزركشي : " ما يتصدق به بأن يضاعف عليه بالثواب ، ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه " ،و قال القرطبي: " أي ينميها في الدنيا بالبركة ، ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة " وفي صحيح مسلم:" إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كم يربي أحدكم فلوه ، أو فصيلة حتى يجيء يوم القيامة ، وإن اللقمة لعلى قدر أحد " . وقال ابن عاشور : " ولما جعل المحق في الربا وجعل الإرباء بالصدقات ، كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين ، والمعنى : يمحق الله الربا ويعاقب عليه ، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها " .

وقوله تعالى { والله لا يحب كل كفار أثيم } كفار وأثيم على وزن فعال وفعيل ، وهما من صيغ المبالغة ، وذلك للمبالغة منهم في أعمال الكفر والإثم .

قال ابن الجوزي : " الكفار : الذي يكثر فعل ما يكفر به ، والأثيم : المتمادي في ارتكاب الإثم المصر عليه " .

وقال القرطبي : " ووصف كفار بأثيم مبالغة ، من حيث اختلف اللفظان " .

وقال الألوسي : " واختيار صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكل الربا ومستحله " .

وقال الزركشي : " تغليظ في أمر الربا ، وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين " .

هذا بما خص تفسير هذه الآية الكريمة من حيث الإجمال ، ولكن لا بد من الوقوف على الحكم الشرعي للربا ، وقبل ذلك لا بد من تعريف الربا في الشرع ، وبيان أنواعه ، وما ينشأ عنه من أضرار في الدنيا والآخرة .

أولا : تعريف الربا شرعا :

هو " فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة " ، وفي تعريف آخر هو " عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أم أحدهما " .

ثانيا : الحكم الشرعي للربا :

الربا حرام ثبتت حرمته بالكتاب والسنة وعليه إجماع المسلمين .

أما تحريمه من الكتاب فقوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا } ، وقوله تعالى : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } ، وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } .

أما تحريم الربا من السنة ما رواه مسلم عن عبادة ابن الصامت أنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو استزاد فقد أربى " وفي رواية أخرى : " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " .

وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء " .

وعن جابر رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء " قال الإمام النووي رضي الله عنه في هذا الحديث : " هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين والشهادة عليهما ، وفيه تحريم الإعانة على الباطل".

وأخرج الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " وقال حديث حسن صحيح .

وعلى ذلك وقع إجماع علماء المسلمين .

ثالثا : أنواع الربا :

للربا أربعة أنواع مشهورة في التعامل فيه ، وهي :

1- ربا الجاهلية .

2- ربا النساء .

3- ربا الفضل .

4- ربا اليد .

ربا الجاهلية :

فربا الجاهلية هو الزيادة على الدين المستحق مقابل التأجيل ، كأن يستدين شخص ما من شخص آخر مالا إلى أول الشهر مثلا ، فإذا جاء وقت الاستحقاق ولم يستطع أن يوفيه دينه يزيد عليه من المال ، وهكذا حتى يصبح الربا أكثر من رأس المال المستدان .

قال قتادة : " إن ربا الجاهلية يبيع الرجل إلى أجل مسمى ، فإذا جاء الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده واخر عنه " .

وقال أبو بكر الجصاص : " أنه معلوم أن الربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ، فكانت الزيادة بدلا من الأجل ، فأبطله الله تعالى وحرمه وقال : { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } وقال تعالى : { وذروا ما بقي من الربا } .

وقال أيضا : " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله ، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد ، وإذا كان متفاضلا من جنس واحد ، هذا كان المتعارف المشهور بينهم ، ولذلك قال الله تعالى : { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربو عند الله } فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين ، لأنه لا عوض لها من جهة المقرض ، وقال تعالى :{ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة ، فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به ، وأبطل ضروبا أُخَرَ من البِِيَاعَات وسمها ربا ، فانتظم قوله تعالى : { وحرم الربا } تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة " .

وقال أيضا : " فمن الربا ما هو ببيع ، ومنه ما ليس ببيع ، وهو ربا الجاهلية ، وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض " .

ربا النساء :

يقال النساء والنسيء والنسيئة وهو التأخير ،وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا كان كل من البدلين مالا ربويا قد جمعتهما علة واحدة ، إذا بيع أحدهما بالآخر على التأخير كان ربا نساء . مثلا : أن يبيع صاعا من التمر بصاع من التمر إلى أجل أي بعد أسبوع مثلا ، أو يبع صاعا من التمر بصاع من البر إلى أجل ، فهذا ربا ، فإذا اتحد جنس واتحدت العلة يجب البيع في الحال في مجلس واحد، أما إذا اختلف النوع كتمر بقمح مثلا فلا بأس بان يبيعه متفاضلا ولكن في نفس المجلس وبالحال كأن يبيع صاعا من التمر بصاعين من القمح في الحال ، أما إذا كان البيع لأجل دخل البيع في ربا النساء . أما إذا اختلف الجنس كدينار بقمح فلا شيء في ذلك سواء كان متفاضلا أم لأجل ، لأن الجنس متغير وكذلك العلة .

ربا الفضل :

الفضل هو الزيادة ، وهو بأن يبيع صاعا من التمر بصاعين في مجلس واحد ، أو يبيع درهما بدرهمين ، وهكذا ، فهذا أيضا يدخل في باب الربا ، ويحرم التعامل به .

ربا اليد :

وهذا النوع من الربا قال به السادة الشافعية .قال الدكتور علي أحمد مرعي في كتابه تعليل حكم الربا : " والمراد بربا اليد عندهم الربا المنسوب إلى اليد لعدم القبض بها حالا ، ويعنون به البيع مع تأخير قبض البدلين أو أحدهما بلا تأجيل ، والفرق بينه وبين ربا النساء عندهم : أن ربا النساء يكون في حال وقوع المبادلة على التأجيل أي في حال تأخير استحقاق القبض أو بعبارة أخرى في حال اشتراط الأجل في المبادلة ولو كان الأجل قصيرا .

وأما ربا اليد فهو في حال تأخير القبض أي حال كون المبادلة حالة منجزة خالية عن اشتراط الأجل لكن تأخر قبض البدلين أو أحدهما عن مجلس العقد . وأطلق على هذا النوع اسم ربا اليد من قوله صلى الله عليه وسلم : " يدا بيد " . وأما عند بقية الفقهاء فهذا النوع داخل في ربا النساء" . وأرى إنه اختلاف لفظي ولكن المعنى واحد .

ويمكن أن نلخص ذلك كله أنه يشترط لصحة البيع وخروجه عن الربا ثلاثة أمور : التماثل والحلول والتقابض الحقيقي في المجلس ، فلو اختل واحد منها بطل العقد ، فلو باع ألف ليرة بألف وخمسمائة بطل البيع ويسمى هذا ربا الفضل إذا كان حالا إي في مجلس واحد، ولكن إذا اختلف الجنس واتحدت العلة كالذهب بالفضة ، والقمح بالملح جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض في نفس المجلس ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " ، وإن اختلف الجنس والعلة فلا شيء في ذلك ، فيجوز البيع متفاضلا وإلى أجل وتعجيل السلعة و تأخير الثمن ، كبيع الذهب بالقمح .

والمقصود بالجنس في البيوع هو جنس الشيء المباع كالذهب والفضة والقمح والبر والشعير والتمر والملح ، أما ما المقصود من العلة ، فقد اختلف الفقهاء رضي الله تعالى عنهم في معنى علة الربا ، وهل تتعدها إلى غيرها من الأجناس الواردة في الحديث ، أم هي مقتصرة على ذلك :

1- ذهب الشافعي في الجديد ورواية عن أحمد وهو المعتمد عند المالكية في ربا النساء أن علة الربا هي الثمنية في الذهب والفضة ، والطعم فيما عداهما .

2- ذهب المالكية في ربا الفضل أن العلة هي الثمنية في الذهب والفضة ، والاقتيات والادخار فيما عداهما .

3- ذهب الشافعي في القديم وأحمد في رواية أن العلة هي الثمنية في الذهب والفضة ، والطعم مع الكيل أو الوزن فيما عداهما .

4- ذهب الحنفية واحمد في رواية أن علة التحريم في جميع الأموال الربوية هي القدر والجنس .

فالذي أميل إليه هو قول الإمام الشافعي في الجديد ، أن علة الربا في الذهب والفضة هي الثمنية ، و فيما عداهما هو الطعم .

قال الإمام النووي في الروضة : " إنما يحرم الربا في المطعوم والذهب والفضة ، فأما المطعوم، فسواء كان مما يكال أو يوزن ، أم لا ، هذا في الجديد ، وهو الأظهر . والقديم : أنه يشترط مع الطعم الكيل والوزن ، فعلى هذا ، لا ربا في السفرجل والرمان والبيض والجوز وغيره مما لا يكال و لا يوزن " .

ولكن ما المراد بالمطعوم : قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : " والمراد بالمطعوم : ما يعد للطعم غالبا تقوتا ، أو تأدما ، أو تفكها ، أو غيرها . فيدخل فيه الفواكه والحبوب والبقول والتوابل وغيرها " .

رابعا : أضرار الربا :

من أضرار الربا عدة أشياء :

أولا : اللعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :" لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " .

ثانيا : الحرب من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } .

ثالثا : لا يقوم يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون أو المصروع في الدنيا ، قال الله تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فألئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

رابعا : إن الربا يشحن الحقد والبغضاء بين المدين والمرابي ، لأن المرابي يأكل مال المدين بغير وجه حق ، ومن غير تعب منه ، والمدين مضطر ، والمرابي يستغل اضطراره ، ولربما زاد هلاك المدين ، حتى وصل إليه اليأس وقتل المرابي على حين غفلة ، وسلب منه أمواله التي أكلها ظلما وعدوانا .

خامسا : الربا آفة اجتماعية قد تضرب اقتصاد بعض البلدان من جراء الدين العام وتراكم الفوائد على أصل الدين ، حتى تصبح الفوائد أكثر من رأس الدين ، وعندها تضطر الحكومة على زيادة الضرائب على كاهل الشعب لكي تسد بعضا من الفوائد المتراكمة على رأس المال المستدان ، والتخفيف من العجز في الموازنة التي ضعفت من جراء الدين بالربا .

سادسا : لا تقبل منه طاعة ولا عبادة ، لقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه : " لا يقبل منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة " .

سابعا : تعود المرابي على الكسل والخمول ، لأن الكسب الذي يأتيه من الربا من غير تعب ، يجعله إنسانا غير منتج في المجتمع ، لا خير فيه ، همه الشاغل تحصيل المال من الحرام وهو جالس على أريكته ، يذل هذا ويخرب بيت هذا ، لا يستثمر ماله في الحلال ، لينهض بذلك باقتصاد البلد ، ويعين البعض على أعباء الحياة من خلال العمل لديه في تجارته أو زراعته أو صناعته أو غير ذلك من الأمور التي يستثمر فيها ماله من الكسب الحلال .

ثامنا : كثرة الهم لديه ، حيث إنه دائم الفكر مشغول البال كيف سيحصل أمواله التي بين أيدي الناس المستدانة منه ، وكيف سيتقدم بالدعاوى ضدهم عند المماطلة والتسويف من قبلهم ، فدائما يفكر عند الاقتراب من موعد استحقاق الدين هل سيدفع المدين ما عليه من الدين أم لا ؟ وهل سيزيد عليه من الربا أم لا ؟ وإن اختفى هذا المدين فكيف سيحصل ماله مع الربا المترتب عليه، لهذا فهو في هم دائم ، ونكد مستمر .

هذا فيما يتعلق بالربا باختصار شديد لأن الكلام في الربا وما يصحبه من معاملات لا تكفيها هذه العجالة ، إذ أن الحديث فيه يطول ويتشعب ، ولا يكفيه هذه المدة اليسيرة من الوقت ، بل بحاجة إلى وقت أطول للاستفاضة في أقوال غير المسلمين في الربا ، والبحث عن المعاملات الربوية في زماننا الحاضر ، ودراستها دراسة معمقة .

أما الصدقات فقد حث الإسلام على الصدقات ، وتحدث عما يصيب المتصدق من الأجر والثواب على فعل الصدقات ، حتى ليصل ثوابها عند الله سبحانه وتعالى إلى أضعاف مضاعفة .

قال الله تعالى : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلاالطيب ، وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَه ، حتى تكون مثل الجبل" . بعدل تمرة أي بقيمتها ، و فلوه هو المهر .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا النار ولو بشِقِ تمرة " .

وفي حديث سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ،" ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " .

الصدقة المنصوص عنها في هذه الآية الكريمة لا تنص على الصدقة بالمال فقط بل تتعداها إلى كل صدقة ، فباب الصدقات كبير فمنه ما يعود ثوابه على المتصدق كالتسبيح والتكبير والتحميد وغير ذلك ، ومنه ما يعود ثوابه على المتصدق والنفع على غيره كما إذا أسدى معروفا إلى الآخرين ، وكمن يعين أخاه على حمل متاعه ، وإماطة الأذى عن الطريق .

قال أبو ذر رضي الله عنه : أن أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ، يا رسول الله : ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ، قال أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ، إن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة " إلى آخر الحديث .

وقال عليه الصلاة وسلام : " كل سلامى من الناس عليه صدقة ، كل يوم تطلع فيه الشمس قال تعدل بين الاثنين صدقة ، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة ، قال والكلمة الطيبة صدقة ، وكل خُطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة ، وتميط الأذى عن الطريق صدقة " .

والصدقة يتعدى ثوابها وأجرها إلى بعد وفاة صاحبها ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ، إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع بع أو ولد صالح يدعو له " . فباب الصدقات واسع وعظيم من دخله بصدق لا رياء فيه فقد فاز ، ومن تصدق ومن على من تصدق عليه ، أو كانت صدقته من باب الرياء فقد خسر ، خسر ماله وخسر الثواب في الدنيا وفي الآخرة ، قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس } .

وأخيرا لا بد من الحث على فعل الخيرات خاصة ونحن في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يجود في رمضان ، وعلى المسلم أيضا الابتعاد عن المعاصي والآثام ويخرج من هذا الشهر الكريم نظيفا من كل الدرائن التي تعكر صفو علاقته مع خالقه ، فالله تعالى لا يرضى لعباده الفساد ولا المنكر ولا ارتكاب المعاصي ، لذلك ذم كل فعل يدل على ذلك ، ومدح كل فعل يقرب العبد إليه ، فحث عليه ورغب به ، وخير مثال على ذلك قوله تعالى { يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم } .

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركته
 
 القاضي الشيخ محمد أحمد عساف
 
إن الأفكار والآراء الواردة في المقال لا تعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبها
» نتائج الفائزين في المباراة المحصورة
» مجلس القضاء الشرعي الأعلى يقرر إنشاء معهد للقضاء الشرعي وإصدار مجلة دورية متخصصة
» مرسوم رقم 3178 انتداب قاض لوظيفة الإدعاء العام وقاض للقيام بمهام التفتيش لدى المحاكم الشرعية السنية
» مرسوم رقم 3878 مناقلات وتعيينات قضائية في المحاكم الشرعية السنية

أرسل شكوى

» آثار الذنوب على العباد
» مفهوم السعادة
» لتأمرن بالمعروف أو ........؟
» الزُّهدُ طريقُ الصَّلاح والجنَّة
» البِطَانَةُ الصَّالحةُ
» لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
» وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
» في رحاب المولد النبويّ الشريف
» شهرُ ربيعٍ الأول شهرُ الاحتفاءِ بمولدِ الرحمةِ المُهْدَاة صلى الله عليه وسلم
» الكسب المشروع في الإسلام
» دَوْرُ المساجد في المُحَافَظَةِ على القِيَمِ والفَضَائِلِ الإسلاميّة
» عاشوراء فضائل وأحكام
» خواطر محبة أهل البيت والصحابة – والسيرة الحسينية – ووحدة الأمة
» التجديد بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي
» وقفات مع عودة حجّاج بيت الله الحرام
» عبادة الحجّ وحقيقة الانتماء إلى أمّة الإسلام
» الحجّ مؤتمر سنويّ إسلاميّ عالميّ
» وحدانية الخالق وتعددية الخَلْق
» المساواة في الحقوق والواجبات
» استقامة العقل وسلامة الاعتقاد وأثرهما في تزكية النُّفوس
» الإسلام دين هداية ومنهج حياة
» دور المسجد في بناء النهضة الإسلاميّة
» التعدديّة وثقافة الوحدة والمواطنة
» أبو حنيفة النعمان: إمام المذهب الحنفيّ
» الحياء من الإيمان
» لنكن مسلمين في أخلاقنا وأعمالنا
» في رحاب العشر الأواخر من رمضان
» الفرقان والفتح يومان من انتصارات شهر رمضان
» احذروا الرياء في العبادة والنّفاق في المعاملة
» بالإدراك والعاطفة والإرادة نستقبل شهر رمضان المبارك
» مفاهيم غير أخلاقية في واقعنا الإجتماعي
» يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر
» الأقصى – القدس – فلسطين في صميم معجزة الإسراء والمعراج
 
جميع الحقوق محفوظة تصميم و تنفيذ e-gvision.com